أحمد الشرباصي

84

موسوعة اخلاق القرآن

كثيرة إيمانا يقينيا وهو لا يعرف كيفيتها ، ويود لو يعرفها ، فهذا التلغراف الذي ينقل الخبر من المشرق إلى المغرب في دقيقة واحدة ، يوقن به كلّ الناس في كل بلد يوجد فيه ، ويقل فيهم العارف بكيفية نقله للخبر بهذه السرعة . أفيقال فيمن طلب بيان هذه الكيفية إنه شاك بوجود التلغراف ؟ . طلب المزيد في العلم والرغبة في استكناه الحقائق والتشوق إلى الوقوف على اسرار الخليقة مما فطر اللّه عليه الانسان ، وأكمل الناس علما وفهما ، أشدّهم للعلم طلبا للوقوف على المجهولات تشوفا ، ولن يصل أحد من الخلق إلى الإحاطة بكل شيء علما وقتل كل موجود فقها وفهما . وقد كان طلب الخليل عليه الصلاة والسّلام رؤية كيفية إحياء الموتى بعينيه من هذا القبيل ، فهو طلب للطمأنينة فيما تنزع اليه نفسه القدسية من معرفة خفايا اسرار الربوبية ، لا طلب للطمأنينة في أصل عقد الايمان بالبعث الذي عرفه بالوحي والبرهان دون المشاهدة والعيان » . وقد زكى القرآن المجيد مكانة النفس المطمئنة ، وبشّرها بحميد مآلها وجمال عاقبتها فقال : « يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي » . و « النفس المطمئنة » هنا هي التي لا تأمر بالسوء وهي النفس المؤمنة الموقنة ، المخلصة الساكنة ، التي أيقنت أن اللّه ربها فاخبتت لذلك ، ورضيت بقضاء اللّه تعالى ، وعلمت أن ما اخطأها لم يكن ليصيبها ، وما أصابها لم يكن ليخطئها ، والتي عملت على يقين بما وعد اللّه في كتابه ، وهي واثقة بالبعث وبما لها عند اللّه من ثواب . وقد ذكر المفسرون نماذج للذين اطمأنت نفوسهم من أهل السلف الصالح ، فذكروا حمزة ، وأبا بكر ، وابن عباس ، وعثمان بن عفان ، وخبيب بن عدي ، رضوان اللّه على الجميع ، وقد كان من دعاء السلف :